الثلاثاء، 7 يونيو 2011

حكاية حيـــــــــــــــــــــــاة قصيرة جداً !!!!



-          " ماما إحكيلي عن بابا ... "
قالتها وهي تنظر إلى صورة زفافنا – والدها وأنا – الموضوعة بجوار سريرها .
    - ( تنهيده ... وصمت ليس بالقصير ... تُخرجني بتكرار السؤال بطريقة تشي بقلة الصبر ) " كان انساناً رائعاً . "
.
بالرغم من عمر زواجنا القصير , إلا أنها حفرت – بعناد – آثاراً في الروح والذاكرة باقية  لآخر العمر .
لم تكن هناك قصة حب عاصفة بيننا قبل الزواج ... بل لا أستطيع أن أزعم انني أعرفه كإنسان رغم كوننا أقارب , فقد عاش معظم سنون حياته خارج الوطن للدراسة .
لم تتوقف والدته – عمتي – عن الحديث عنه في كل مناسبة وأحياناً بدون مناسبة . حاولت تشكيلي على مزاجه : كيف أتصرف , أتحدث ، ألبس  بل حتى ما وكيف آكل .... أقحمته في حياتي عنوة ,,, وكرهت ذلك كثيراً .
كل ركن في منزلها يحمل بصمته , صوره منتشره في أرجاء المنزل , كتبه مرتبة بعناية في غرفة الجلوس مع صورة ضخمة له تتصدر احد الجدران . في غرفة الطعام , كان كرسيه خالياً ، لم يجرؤ أحد على استخدامه حتى والدي رغم حبها الشديد له . غرفته كانت ترتب يومياً حتى في غيابه !؟
في عامي الأول في الجامعة , عاد إلى الوطن في زيارة قصيرة  وتقدم لخطبتي ...
بوضوح شديد ، لا لبس فيه , تلى مرسوماً بأنني لن أكمل دراستي .. ساكرس كل وقتي له .. لأطفالنا .. و .. و .. و ..
بدا لي كالطاووس , كجنرال يُملي أوامره الغير قابلة للنقاش !!!!
بعناد وإصرار, رفضت شرف الزواج من قريبي المُبجّل رغم أغراء وتهديد العائلة وبعض الصديقات .
.
.
بعد عدة أعوام جمع خلالها أكثر من نصف دزينة من الشهادات العلمية من أركان العالم الأربع , عاد للوطن للإستقرار .. ومعه تجددت مخاوفي من مشروع الزواج المُرتقب .
 كالمُتوقع باشرت عمتى تنفيذ مخططاتها وتكتيكاتها الاستراتيجيه – وراء الكواليس -  بلا  هوادة .
كالعادة ، في ليالي الصيف المُقمرة , يلتئم شمل العائلة في نزهات ليلية على شاطيء البحر .
فعلتُ ما بوسعي لتجنب الصدام او حتى مجرد الاحتكاك به من أجل العائلة .
 عند الضرورة , اكتفيت بردود مقتضبة بداعي المجاملة . لكنه كان ذكياً وصبوراً جداَ في التعامل معي .
لتخصصه في الجيولوجيا , أخذ يتحدث عن مجال تخصصه , عمله , أحدث الأجهزة في رصد حركات الطبقات الصخرية واهميتها في الانذار المبكر من الأعاصير , الزلازل , البراكين , التسونامي ..... الخ الخ ... وكذلك في الكشف عن المياه الجوفية والثروات الطبيعية الكامنه في اعماق الأرض .
لاحظ اهتمامي بالموضوع , فكان يتحدث بإسهاب في تلك المواضيع كلما حانت الفرصة  بأسلوب طبيعي تلقائي وبدون محاضرات وعظيه او استعراض عضلات ثقافية .
جاذبية تلك الموضوعات أغرتني بالمشاركه في بعض الحوارات ؛ أجبت عن أسئلة كنت موقنة من معرفته لها .
في إحدى تلك الحوارات , أخذ الحديث منعطفاً لم أتوقعه حين سألني عن رأيي فيه !!!؟؟؟
تلعثمت وأجهدت عقلي بحثاً عن إجابة دبلوماسية , فلم أتمكن .
 بصعوبة ألجمت لساني وعضضت شفتي حتى لا أتفوه بما قٌد اندم عليه .
تشاغلت بالنظر ألى الأعلى , إلى القبة السوداء المرصعة بملايين النجوم .. مساء ساحر .. القمر .. وعرائس بحر اسطورية تتزلج متراقصة على صفحات الموج وسمفونيته ... نسمات الليل العابقة برائحة البحر ... صوت فيروز يطفوا من أعماق الذاكرة  و " سكن الليل " .....
بعد هدنة صمت قصيرة .. قاطع ذاك السكون بسؤالي عما أراه , أسمعه , أشعر به في تلك اللحظات ... استرسلت في الحديث بدون أن يقاطعني  اللهم إلا من عبارات تشجيع واستحسان حتى لا يسمح لحاجز الصمت ان يحتل مكاناً بيننا . أشركني في أراءه ،أحلامه , أسفاره وأفكاره بدون أن يفتقر لخفة الظل وروح النكتة التي كانت أكثر ما أذهلني وجذبني إليه .. أربكني إدراكي أني بالكاد أعرفه كإنسان . وكأنه شخص آخر , غير ذاك الذي كنت اسمع عنه .
قبل أن أنتبه , أصبحت جزءاً من خططه ومشاريعه وأحلامه . تعلمت منه فنون الحوار العقلاني الراقي .  أدخلني عالماً سحرياً وجدت أبوابه مشرعةً في انتظاري ...
.
.
بعد عدة أشهر تزوجنا . الأمر أشبه بحلم . رأيت الجانب الآخرالذي لم تتحدث عنه عمتي أبداً . كان كبيراً وقريباً . حنانه أشبه بحنان الأمهات الذي أفتقدته كثيراً منذ وفاة والدتي . يصغي عندما أتحدث , يضحك لحكاياتي الصغيرة بدون أن يشعرني بالتفاهه , يجيب عن أسئلتي باهتمام , جعلني أصغي لقلبي !؟ .
يقال أن السعادة كالزهور ؛ جميلة لكنها قصيرة العمر .
 في الحكاية , تستيقظ الجميلة بقبلة من الحبيب , أما أنا فاستيقظت على فاجعة فقده .
 قبل انقضاء أسبوع على الزواج , توفي في حادث سيارة .
انهار عالمي , فقدت الإحساس بمن حولي وغرقت في أحزاني .
 لم ينتشلني من تلك اللجة إلا حياة جديدة بدأت تتحرك في أحشائي .
.
.
-         " ماما , ما أكثر شيء تحبينه في الوجود ؟؟ "
أخرجني صوتها من مملكة الذكريات .
 نظرت إليها وابتسمت .. لمعت عيناها وانطلقت منها ضحكة ذكرتني كثيراً بوالدها . كنت أعشق ضحكته .
لم تنتظر إجابة تعرفها سلفاً . ألقت برأسها الصغير على صدري وطوقت عنقي بذراعيها . ضممتها بقوة , أتنسم فيها طيف الراحل الغالي .
ابنتي نسخة طبق الأصل عن والدها . هي الدليل الحي  على واقع حلم أو استراحة قصيرة في حياتي .

     للجميع السعادة والرضا
       رمز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق