هبــــــــــــــــــــــوط مظـــــلي
" لماذا تغني الطيور ؟ ولمن ؟ "
سؤال لطالما حيرني وأنا طفلة كلما سمعت تغريد العصافير.
تذكرت هذا السؤال عندما لفتت انتباهي عبارة تصدرت لوحة إعلانية ضخمة عن الـ
paragliding
منذ الطفولة وأنا أحلم بالطيران كما تفعل الطيور . رغم تعدد الاصابات ( ما بين جروح وكسور ) وتكرار العقاب وقسوته أحياناً لكي أرتدع لم أنسَ هذا الحلم يوماً . كنت أستمتع كثيراً بالقراءة عن الطيران منذ قديم الازمنه إلى غزو الفضاء .. ما زالت أفلام الفضاء تستهويني إلى اليوم ( بقايا طفولة لن تنتهي إلا بنهاية العمر ) .
استهوتني الفكرة كثيراً ولم أضيع الفرصة .. دخلت مكتب شركة تنظم رحلات من هذا النوع. اطلعت على جميع النشرات الموجودة وطرحت كل ما خطر ببالي من أسئلة قبل اتخاذ القرار بممارسة هذه الرياضة الخطرة نوعاً ما . قرأت كل ما وقع تحت يدي عن الـ
sky diving , hang gliding & paragliding .
ذهبت إلى موقع الهبوط وتحدثت مع بعض ممارسي هذه الرياضة . كان هناك أفراد من جميع الأعمار ( العاشرة فما فوق ) من الجنسين . جلست على كرسي أمام الساحة وأخذت أتفرج على المظليين يحلقون ويهبطون أزواجاً او فرادى .
بعد التدرب على القفز, التحليق والهبوط , ذهبنا إلى موقع القفز من جبل يزيد ارتفاعه عن الخمسة آلاف متر ... لكن كبداية كانت نقطة القفز لنا من ارتفاع 2500 م. فقط .
كنا عشرة أشخاص انقسمنا إلى خمس فرق ؛ كل فريق يضم هاوٍ ومحترف . للمرة الأخيرة قمنا ( الهواة ) بتلاوة الخطوات الواجب اتباعها في كل مرحلة والتثبت من الباراشوت , أحزمة الأمان ، خوذة الرأس ، البذلة ، القفازات ، الأحذية ..... كل شيء حتى أدق التفاصيل .
آنيا وأنا كنا أول من قام بالقفز . كنت أجلس على مقعد صغير مُثبت باحزمة أمان بالباراشوت . المقعد وأنا كنا مركز التوازن فكل شيء محسوب بدقة .
في البداية سار كل شيء على ما يرام .
كل ما قرأته وسمعته لا يعدل روعة ما أحسست به عند التحليق في الأجواء .. القبة السماوية الزرقاء ... خيوط الشمس الذهبية تغمر الأرجاء سحابات قطنية بيضاء تسبح حولي ( اخترقت بعضها وخلعت ا القفازات للمسها ... تجمدت يداي من الهواء البارد حتى ازرق لونهما ولم ابالي .
أغمضت عيني و تذكرت أغنية كنت أرددها وأنا طفلة عن نسر يحلق في الأعالي وأخذت أغنيها بسعادة .
مجموعة من الطيور مَرّت بقربي وحيتني على طريقتها ...
عرفت الآن لما تغني الطيور ___ تسبح للواحد الديان وتشكره على الحرية والحياة .
نظرت للأسفل ؛ كل شيء صغير جداً كلعب الأطفال... البيوت والأشجار .... السيارات كقافلة من النمل ... البحيرة بدت كمرآة كبيرة .. بساط سندسي أخضر على مد البصر .. وأفعوان فضي ( النهر ) يزحف على صفحتها ..
عالم صامت يضج بالألوان والحياة .. وسبحان المبدع الأعظم .
لسوء الطالع غربت الشمس وتغير الطقس , صرنا نعلو نهبط بسرعة كبيرة بسبب الجيوب الهوائية التي أحدثها تغير الضغط الجوي . شعرت بدوار وغثيان ... لاحظته أنيا على الفور فطلبت مني ان أميل إلى الأمام وأتقيأ .
عندما فعلت ذلك ضغطت بدون قصد على قفل حزام الأمان فانفتح وسقطت من المقعد .. اصبحت معلقة في الهواء باحزمة تربطني بالباراشوت ...
سبب هذا اختلال التوازن فصرنا نهبط بسرعة أكبر من المطلوب ...
كنت أتأرجح بين الغيبوبة واليقظة ...
صوت آنيا يعلوا ويخفت وهي تحثني ان أبقى متيقظة وأحاول العودة للمقعد بسرعة .
تجمدت أطرافي للحظات وفقدت الإحساس بها ....
سرت برودة في راسي وأحسست بدنو الأجل ..
مرت حياتي في ذهني في ومضات سريعة كلمح
البصر ... والديّ , شقيقتي , إخوتي وآخرون .
هواجس ومخاوف وأفكار كثيرة ؛ القلق على من أحب ,أشخاص أخطأت بحقهم في لحظة غضب , حماقات كثيرة ارتكبتها ، رهبة الموت والأمل في رحمة الله .
رددت الشهادتين ومن الأعماق دعوت "اللهم امنحني فرصة لأصلح ما أفسدت "
... في لحظة قد تنتهي حياة الانسان فهل أعددنا العدة لذلك ؟!!!
إرادة الحياة .. أَجلٌ لم ينقض بعد .. أم الاثنين معاً, جعلاني أقرر أن أكافح لإنقاذنا .
... ما زلنا نهبط لكن بسرعة أقل كثيراً , إذ تمكنت آنيا بحرفية عالية من التحكم في الباراشوت وجعل الهبوط في خط
دائري لولبي لتخفيف السرعة ولمنحي فرصة استرد فيها الوعي .
باءت محاولاتي الأولى للعودة للمقعد بالفشل .. كدت أستسلم مجدداً .
نظرت لآنيا رأيتها متماسكة رغم الخطر .. لأول مرة أدرك معنى الارتباط .. مصيرنا واحد إما أن ننجوا او نهلك معاً .
كررتُ المحاولة لسحب نفسي للأعلى بواسطة التمسك بالأحزمة وتشجيع وإرشادات آنيا إلى أن نجحت .
بعودتي للمقعد ، عاد التوازن وتمكنت آنيا من التحكم الكامل بالباراشوت ... فارتفعنا مرة أخرى إلى أكثر من3000 م. لنبتعد عن منطقة الجيوب الهوائية .
تبعنا الآخرون الذين لم يصلوا لمنطقة الخطر بعد أن أبلغتهم آنيا لاسلكياً بما حدث .. وغَيّر قائد الفريق فوراً منطقة الهبوط إلى حيث تمكنا جميعاً من الهبوط بسلام في سهل يرعى فيه قطيع من البقر بهدوء ودِعَة .
تمددت على العشب لأسترد أنفاسي وأستجمع قواي ...
بعد دقائق نهضت لأساعد رفيقتي في طي الباراشوت ..... تسمرت قدماي .. وجمد الدم مجدداً في عروقي عندما نهضت لأجد أحد أفراد قطيع البقر مباشرة أمامي ......
ظننته ثوراً غاضباً أثارته ألوان بذلتي الحمراء والصفراء أو ربما لأني أزعجته فافسدت عليه غداءه أوقيلولته ..
صرت كالمستجير من الرمضاء بالنار ؛ نجوت من الموت سقوطاً لألقى حتفي تحت حوافر ثور غاااااضب !!
حمداً لله ,
..... كانت بقرة وادعة ... نظرت إلي عاتبة مستنكرة ولسان حالها يقول " وتتحدثون عن جنون البقر " !!!!!
استدارت تاركة إياي فاغرة الدهشة .. تاركة وراءها تذكاراً لن أنسى رائحته وقوامه الذي غاصت فيه قدماي وتلوثت به
بذلتي بعد ا نزلقت قدمي وسقطت فيما خلفته !!!!
تيار ماء غزير - من خرطوم مياه ضخم - أخرجني من حالة الذهول وجعلني في حال أفضل لأنضم لفصيلتي من بني البشر ...... !!!!!
<s >تنـــــويه : كررت التحليق بالباراشوت مرة أخرى .. بتشجيع من أبي وشقيقتي حتى لا تتكون لدى فوبيا من الطيران ... كانت المحاولة الثانية من أجمل وأروع التجارب في حياتي .
تحياتي للجميع
RAMZ : )

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق