كنت ارتب صوراً قديمة للعائلة في ألبوم خاص . تذكرت زيارة لحينا القديم نقوم ( إخوتي وأنا ) بها كل عام . جرفنا حنين للطفولة ؛ براءتها وشقاوتها . ....مشينا في الأزقة الضيقة بين البيوت العتيقة ... في الماضي ، كانت تلك الشوارع هي الملتقى ، الملعب وساحات القتال .
في طريق العودة من المدرسة ، كان يصعب على إخوتي مقاومة إغراء المشاركة في مباراة كورة – لمدة وجيزة - مع أولاد الجيران . أحياناً يتم الاتفاق على مبارة مع أولاد حي آخر كتحدٍ أو لرد اعتبار بعد هزيمة ثقيلة في مباراة سابقه .
يتم التخطيط لتلك المباريات - التي تنتهي أحياناًبمعارك طاحنة – بدقة وحرفية عالية.
أخي - كان عادة - القائد العام . على عاتقه تقع مسؤولية التخطيط والإشراف على سير المعارك . كان شديد الإعجاب بأفلام الحركة وبدا ذلك واضحاً في بعض تصرفاته ، يذكرني بـ بونابارت في إدارته للمعارك . البقية كانوا مقسمين إلى فرق , لكل منها مهمه خاصة . ( شاركت شخصياً في بعض تلك المعارك من ناحية لوجستية ولمهارتي في التصويب بالنبلة ( مطاط وقذائف ورقية صغيرة تسبب ألماً شديداً( ) .
في الموعد المحدد ، اجتمع الفريقان في أحد ساحات الحي . كل فريق بكامل أفراده مع الاحتياطي والمشجعين . أحياناً ، تنتهي تلك المباريات بمشاجرة ، تتطور إلى مناوشات ثم إلى قتال ... يتحول الملعب لساحة حرب حقيقية تُستخدم فيها القبضات والأرجل والرؤوس .
إحدى الفرق كانت مكلفة بالاستطلاع ومراقبة المداخل والمخارج المؤدية للساحة والتبليغ عن أي دعم للفريق المنافس . أما من تسول له نفسه الهرب من ساح الوغى , فكان التهديد بالفضيحة والتشهير من أنجع الأساليب في الضغط للعودة إلى الميدان .
تمركز القائد العام ( أخي الأكبر ) في مكان عالٍ كسطح بيتنا أو أعلى شجرة ليتمكن من الإشراف على سير المعركة وتغيير الخطط في الهجوم , الانسحاب أو الانقضاض .
أحياناً نقوم بالإغارة على محتويات البراد ومصادرة ما يمكن استخدامه في القصف بعيد المدى كـ الطماطم والبيض
والبطيخ .... الخ
الضربة الأولى ، عادة تقوم بها فرقة كميكاز ( فرقة هجوم انتحاري في الجيش الياباني ) لخلخلة الصفوف , يتبع ذلك هجوم على أحد جناحي الفريق المناويء .. عند دعم ذلك الجناح ، يُصبح الآخر مكشوفاً أو على الأقل تحدث ثغرة تستغلها فرقة كوماندوز في التسلل للصفوف الخلفية وتسديد ضربات موجعة ثم الهرب قبل أن يفطن أحد .
وهنا يبدأ المشاة في الهجوم والالتحام المباشر ... عندما ينسحبون تكتيكياً , يقوم الرماة - ومعظمهم بنات - برش المياه عليهم من خراطيم ري الحدائق علاوة على القصف بالنبل وكرات صغيرة من الورق تسبب ألماً حاداً لإجبار المهاجمين على التقهقر .
. حينها تقوم فرق الخيالة ( راكبي البسكليتات ) بمطاردة فلول العدو العنيدة .
تنتهي المعركة عادة بهزيمة أحد الفريقين أو الاتفاق على هدنة مؤقتة بعد أن يكون الارهاق قد حل بالجميع بدون حسم لصالح أحدهما . وأحياناً تتدخل قوات الردع من الكبار لوقف الاقتتال وإعادة الكل إلى البيوت .
بعد عدة أيام , تعود المياه غلى مجاريها وكان شيئاً لم يكن !!!!!! .
لله در الطفولة , هو عالم سحري له قوانينه ومفاهيمه الخاصة ... وهذا شيء يعجز البالغون عن فهمه ، بالنسبة للكبار لا يعدو الأمر كونه " شقاوة عيال " ... لكن بالنسبة للصغار , هي حالة حقيقية ويتعاملون معها بكل جدية .
..
وبرغم بعض المبالغات , فالحدود واهية في عالمهم بين الحقيقة والخيال ، المحبة و البغض ,, ...فأعداء الأمس هم أصدقاء اليوم ورفاق الملعب........
وعند اللعب ينسى الجميع كل شيء ... وتستمر المباريات الودية ... والحروب الصغيرة ..... ^_^
دامت أيامكم حباً وسلام
رمز فلمبان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق