...... ســـــــــــــكون قبل .......
* أتعرف بم تذكرني ؟ ( قالت بعد صمت ليس بالقصير )
- رفع حاجبيه , نظر إليها متسائلاً من خلف زجاج النظارة السميك .
لم يُبد أي رد فعل , تعود على تصريحاتها الناريه بعد سكون .
لطالما تساءل " ماالذي يحبه ( أو العكس ) فيها ؟ "
منطقياً , سوسيولوجياً , سيكولوجياً ، خنفشارياً ..... تعددت الإجابات ... وكثرت التحليلات ... " يا لـ حواء ... النار والنور ... النعيم والجحيم .... و ... فتش عن المرأة "
تعن على باله " أكرهها ... وإنني أحب كرهي لها ..... "
{ يتنهد ويحدث نفسه } " يرحمك الله يا نزار ..... أثرت جنون كثيرين ... أشعلت حفيظة وحنق آخرين .... ألهبت عواطف العشاق وأحلامهم ... جعلتهم في كل وادٍ يهيمون ... ..... "
* ( صوتها ينهي منولوجاً قصيراً ) بـ جبل فوجي .
-............................ ( صمت .. لا تعليق )
* ( تكمل ) يطل على بحيرة جميله ومناظر خلاّبه توحي بالسكون والهدوء .....
ظاهره صخر أصم ، يتوجه بياض ناصع كشيخ وقور ...لكن باطنه بركان .....
- ( بابتسامه ساخره ) بركان خامد .....
* ( ترد بسرعه حتى لا تسمح بعودة الصمت ) كامن .... وليس خامد . مؤخراً أعطى إشارات لعودة نشاطه .
- هل زُرت اليابان ؟
* لا .... قرأت وشاهدت الكثير من البرامج والأفلام عنها .
- أعجبك ما قرأته ؟
* ألا توافقهم ؟
- تكنولوجياً وفلسفياً فقط .
* ( تتحمس لوجود نقاط مشتركه ( على قلتها ) بينهما ) تسحرني فلسفتهم ، دأبهم ، إصرارهم ، وتاريخهم ........
- ليس بتاريخ ناصع البياض ... كغيرها من الامبرطوريات يلطخه السواد .
* وهل وُجدت امبراطورية مثاليه على الأرض . على الأقل هم الوحيدون الذين اعتذروا عما قاموا به في البلاد التي استعمروها .
الخطأ البشري وارد دائماً ... لذا أتت الشرائع السماوية لإصلاح الخلل وتنظيم الحياة .
- هناك اختلاف في فهم النصوص ، وبسببه سالت وتسيل الدماء .. كل فريق يرى صواب رأيه ويسوق من المسوغات ما يدعم فهمه .
* ( بصوت متهدج ) لكن هناك ضحايا !!!
- ( غمامة حزن تلوح في عينيه ) يزيد الوضع سوءاً أن بعضهم لا ناقة له ولا جمل بالفكرة . قدرهم أن كانوا في المكان الخطأ .
عبر التاريخ كان لكل فكرة ضحاياها ...وكلما ازدادت سخونة الفكرة ، زاد عدد الضحايا .
* لماذا ؟
- لاختلاف الرؤية .. وكلما قل الحوار والتفهم ، تفاقمت المأساة ... وسنحت الفرصة للصيد في الماء العكر .. ودق مسمار جحا ......
* ( بمرارة ) صار إسفيناً ..... رحم الله أيام كان مسماراً .
(( يغرقان في التفكير بصمت )) ..............................
* ( تعاود الحديث لوقف بناء جدار الصمت المعتاد ولإخراجه من شرنقة عزلة بدأت تنسج خيوطها حوله ) تُعجبك المرأة اليابانية ؟
لم تحل سماكة النظارة دون أن تلمح لمعاناً خاطفاً وشبح ابتسامة سرعان ما اختفيا .
رغم احترامه قولاً وعملاً لحقوق المرأة ، ليبراليته في بعض الأمور ... يظل في الأعماق " "سي السيد " . ورغم نفورها من تلك الشخصية وكل ما تمثله ( في رأيها ) من الهيمنه الذكورية والقهر الأنثوي ، إلا أنها تحب ( بصورة ما ) تلك السِّمة . ربما لارتباطها بمعنى الرجولة الموروث لأجيال والمغروس بعناية في فكر كل أنثى منذ نعومة الأظفار .
جَسّد هذا الموروث جدها الشيخ عبد الرحيم . كان مجرد دخوله المنزل يعنى حالة استنفار قصوى . يتحول المنزل لخلية نحل ، حيث الجميع ( الجدة ، العمات ، الكنّه " والدتها " يتحركن بهدوء وهمة ونشاط لإعداد سفرة الغداء " شاي العصريه " وجميع مستلزمات " جلسة الرجال " التي تبدأ من بعد العصر وتمتد إلى ما بعد صلاة العشاء وتمتد أيام الخميس إلى ساعة متأخرة من الليل ..
في تلك الجلسات كانت تتم صفقات ، زيجات ، إصلاح ذات البين وتجنب أبغض الحلال أو إعادة المياه إلى مجاريها بين الأهل والخلان . البعض تجمعوا في حلقات للعب " البلوت ، الداما ، الضومنه " ، أو مناقشة أخبار العالم وتداعياتها على الدول العربيه .
كان " الراديو" الكبير يتوسط المجلس لسماع نشرة الأخبار .... أو الأغاني في جلسات العمات وأترابهن عندما لايكون الجد موجوداً ..... تولى الصغار ( وهي أحدهم ) مهمة " "العسس" للإعلان عن قرب وصول الجد لإسكات الراديو ولتعود كلٌ إلى دارها .
....... تُرى كم من ذلك الزمن الهاديء ظاهرياً ، الحافل بأحداث جسام غيرت مسار التاريخ ... وأعادت رسم خارطة العالم ؟!
أهو سكون ما قبل الانفجار الذي يسعى الجميع لإخماد فتيله ؟!
- ( مازحاً بنبرة لا تخلو من عتب ) أكانت رحلة جميلة ؟
* (بارتباك ) أي رحلة ؟
- تلك التي ذهب فيها معظمك ... وبقي القليل منك معي
* ( يُفاجئها اهتمامه ) ألا تُحب الانفراد والعزلة ؟!
- صحيح ... لكن كما يقولون " جنّة من غير ناس .... ما تنداس "
كان هذا تصريحاً خطيراً . لأول مرة يتحدث عن رغبته في الاختلاط ببقية البشر .
هو من النوع الانعزالي ، قليل الأصدقاء ... صعب الإرضاء .. رغم محاولته إظهار العكس حين يكون مُحاطاً بمجموعة من الناس في العمل ، الشارع .. أو السوق الذي لا يرتاده إلا نادراً للضرورة القصوى وبعد إلحاح وإصرار .
لأول مرة تًحس بخوفه من الوحدة ....
.... يبدوا أن ذلك الكامن بدأ يتحرك ... !!
... تُمسك يدهُ يدها بقوة لكن برفق !!!!
تتجه ببصرها إلى حيث ينظر ___ إلى المدى البعيد ... حيث خيوط ضوء تجاهد للعبور خلال سحاب مركوم .


