في جــــــــــوف الأرض
ماالذي أوصلني إلى هنا ؟
متى أقلع عن هذه العنتريات ؟
لو نجوت من هذا المأزق فلن أكررها مرة أخرى ....
المرة القادمة سافكر كثيراً قبل وضع أي فكرة مجنونة حيز التنفيذ ...
وســـ .......................................
كثيراً ما رددت هذه العبارات وأشباهها عند التورط في مواقف لا أُحسد عليها ....
وكثيراً ما عقدت العزم على أن أتوب توبة نصوحه من هذا الجنون .....
.... سرعان ما يذهب كل ذلك أدراج الرياح عندما تلوح بارقة فكرة ما في الأفق !!!!!
حمدت الله أنني لا أعاني من فوبيا الأماكن المغلقة أو من الازدحام مع أكثر من عشرين شخصاً في مصعد في الطريق نزولاً إلى جوف الأرض حيث منجم لاستخراج الذهب في جوهانسبرج عاصمة جنوب أفريقيا .
انخفاض سقف الممرات اضطرنا أحياناً للسير منحني الظهر وطوراً على أربع ( لهواة الاكتشاف والحشريين مثلي ) .. أضف إلى ما سبق صعوبة التنفس بسبب خوذة مربوطة بإحكام ... قلة الهواء في أنفاق ضيقة .. ثقل بطارية الضوء المعلقة على الرقبة وأدوات ثقيلة قد تعادل نصف وزن حاملها ...
سوء تهوية .. انقطاع التيار الكهربائي ... ارتفاع منسوب المياه في الأنفاق ... انهيار السقف .. إغلاق أحد المنافذ لسبب أو لآخر ... انفجار عبوة ديناميت خطأ تعطي فكرة واضحة عن صعوبة العمل وقسوته في المناجم .
التعليمات صارمة بالتزام المجموعة مهما كانت الظروف . تخلف أحد الأفراد لا يعني التوقف للإنتظار والبحث !!!!!!
الممرات ( سراديب وأنفاق محفورة في الصخور تحت الأرض ) عديدة ومتشابهة لا يعرفها إلا من خبرها .. والضياع في إحداها يعني الموت جوعاً وعطشاً إن لم يقض الخوف أو الاختناق على المرء قبل ذلك .
بريق خافت بين الصخور اجتذبني ..اقتربت لتفحصه ..ربما كان عرق ذهب أو حجر ألماس ؟!!...........
لكوني آخر فرد في المجموعة , لم ينتبه أحد لغيابي ولم أتنبه لمغادرتهم واختفائهم في أحد الممرات لانشغالي بما كنت بصدده إلا عندما أردت الاستفسار عما رأيته ...
شعرت بالقلق عندما لم أجد أحداً ... سرت في الممر إلى آخره ... لا أحد .
توقفت عند نهاية النفق لوجود عدة مداخل ..........
أيها أسلك ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
لم يسبق لي الدخول في أي منجم ... خشيت أن أتوه في الممرات المتشابهه ...
ناديت ... لم أسمع إلا رجع صوتي مكرراً و مضخما ....
<< ليس كل ما يلمع ذهباً >> << سراب الصحراء يقود إلى اللاشيء >> ....
( النفس اللوامة تستيقظ من سبات قسري ) لم لا أتذكر هذه الحكم إلا بعد فوات الأوان .. !!!!
زاد الطين بلّة ، تذكري لكل حوادث المناجم التي سمعت , قرأت أو شاهدتها في نشرات الأخبار التلفزيونية ....
.... جحافل الخوف تتسلل شيئاً فشيئاً حتى احتلتني بالكامل .. !!!
" ... ليس كاحتلال العشق لنزار " ( اجبر نفسي على الضحك ) ... أردد بعض كلمات أغنية "زيديني عشقاً " لأُسرّي عن نفسي .. أتوقف عند " يا أحلى نوبات جنوني " قطعاً ما أنا فيه ليس أحلى نوبات الجنون وإن كان أحدها ...
أتذكر كل المواثيق والعهود وأغلظ الأيمان التي قطعتها لوالدتي أن أقلع عن نوبات جنوني ... " إيه يا رمز ... كم عليك من صيام عن كل ذلك القسم "
أتنفس بقوة لأتأكد أني ما زلت على قيد الحياة ...
<< إن الانسان في مواجهة الموت تمر حياته كشريط سينمائئ في ذهنه >>
مقولة كانت تجعلني أبتسم واتساءل عن مدى صحتها .. يبدوا أنها صحيحة إلى حد كبير بالنسبة لي على الأقل !!
على أية حال لم يكن لدي شيء آخر لأفعله .. إما أن أعدوا في تلك الممرات حتى اسقط من الإعياء ثم أقضي نسياً منسياً .. أو ألزم مكاني ( حسب التعليمات ) إلى أن يجدني أحد .. وهو ما فعلته ..
بانتظار فرج الله ، أجريت تقييماً سريعاً لحياتي ... توقفت عند محطات معينة .. أمعنت النظر فيها من عدة زوايا .. لوفكرنا ملياً في كل تصرف , كلام , أو تصرف , أو موقف مرّ بنا . لما فعلنا نصف ما فعلناه او قلناه أو على الأقل لربما أديناه بطريقة أخرى , ولربما اختلفت الأوضاع ... لكن عقارب الساعة لا تعود أبداً للوراء ( اتذكر نسبية أينشتاين وشعره المنكوش ونظراته الزائغة ) .... أتلمس رأسي وأرتب شعري بأصابعي ... لابد أنني في حالة يُرثى لها .. أمد يدي إلى جيبي أبحث عن مرآة ...
يا لحواء حتى في أصعب الظروف تتذكر المرآة !!
... " ليس سيئاً ان أتذكر المرآة وهندامي ( المثير قطعاً للرثاء) فهذا يعني أنني لم أفقد قواي العقلية بعد " .
" حسناً ، أجرب شيئاً آخر " .. تشاغلت بالنظر إلى السقف والجدران .. تفحصتها متراً مترا.. ثم شبراً شبراً .. ثم سنتيمتراً تلو أخر ... ألصقت أذني بالجدران علني أسمع صوتاً .......... ......لاشيء ....
صمت رهيييييييييييب ... أستطيع سماع دقات قلبي .. بل وحتى أنفاسي !!
.... فجأة ظلام دامس لانقطاع التيار الكهربائي ....
... رعب ينشب مخالبه في أعماقي ... يكاد يشل تفكيري ... يقترسني ....
بعصبية أتحسس ما حولي حين لمست يداي صندوقاً .. تذكرت أنها بطارية مصباح خوذتي
التي خلعتها ووضعتها جانباً لثقلها .. تحسست أصابعي زراً ضغطت عليه فأضاء ضوء المصباح المكان بما يكفي لصد هجمات الخوف مؤقتاً .
لحسن الحظ لم يستمر انقطاع التيار الكهربائي إلا دقائق ( خلتها دهراً ) ...
بعد حمد الله وشكره ، عاودت السير والنداء .... لكنها كسابقاتها كانت بلا جدوى ...
رغماً عني تذكرت عائلتي فرداً فرداً... توقفت عند والدتي ووجهها الباكي ...
استجمعت كل ذرة شجاعة وإرادة متبقية لدي لأفكر في طريقة للخروج من المأزق الذي اوقعت نفسي فيه ...
أخذت أتنفس بعمق لأهدأ وأفكر ..
تذكرت فيلماً شاهدته عن موقف مشابه .. على الفور رسمت علامة على جدار الممر الذي كنت فيه ... حتى آخره .... ووضعت نفس الاشاره ...ثُم اخترت ممراً آخر على طريقة " حادي .. بادي ... " ووضعت إشارة مختلفة ... وهكذا إلى أن جربت كل الممرات ............. دون جدوى ...
كدت أستسلم لليأس ... عند فشل كل محاولاتي ..
أخذت أردد ما أحفظه من آيات القرآن الكريم وتوقفت عند دعوت يونس في بطن الحوت ..
رددت دعاءه( سراً ) بكل جوارحي ... أغمضت عيني ووجدت في البكاء متنفساً لي ...
كم مكثت على تلك الحال ... ربما لدقائق أو ساعات ... لست أذكر ...
تداركتني رحمة ربي حين عثرت علي مجموعة أمن المنجم في جولة روتينية قبل الصعود لسطح الأرض وإغلاق منافذ المنجم بعد انتهاء ساعات العمل الرسمي ... أُبلغت فيما بعد أنهم تلقوا اخبارية عن فقد أحد أفراد مجموعة سياحية في المنجم ....
" أرجوا ان يكون ما لفت انتباهك يستحق " قالها رئيسهم ثم استدرك مبتسماً أن هذا يحصل كثيراً ... فالفضول , الرغبة في الاكتشاف والحشرية توقع دائماً في مشاكل وهو متوقع من السياح مخصوصاً الأصغر سناً .
لقمة العيش المُغمسةِ بالعرق والدم .... لم كل هذا ؟؟!!
تستعر حروب ... تُدمّر بلاد وعباد ... خراب بيوت ... تشرد عائلات بأكملها بوفاة المعيل الوحيد أو إصابته بعاهه ..
أمن أجل حجارة براقة تتمنظر بها النساء ؟!!
ألهذا تُتداول عبارة << فتش عن المرأة >> عند حصول أية مصيبة !!
أهي حقيقة .. أم أنها شماعة تُعلق عليها أخطاء .. كوارث .. أو خيبات. من أول خروج أبينا آدم من الجنة .......... حتى يومنا هذا ....... !!!!
لماذا .. ولمن تتزين حواء ؟ ...
أليس من أجل آدم ... ؟ ... هدفها الأول والأخير ..!!
ولأجل أن تكون جميلة له ، قامت وتقوم صناعات وأعمال لترويج وتسويق الجمال يقودها الرجل ووحش الدعاية والإ علام الذي لا يشبع ؟!!
هي حلقة مُفرغة تتبادل فيها أطراف متعددة شتى الاتهامات ...
الأمر برمته أشبه بلعبة التنس ... يقذف كل طرف الكرة باتجاه الآخر الذي يحرص على صدها .. ردها .. خداع الخصم .. إنهاكه .. إرباكه .. لئلا يتمكن من صد الكرة .. وكلما زاد فشل طرف ,,, سجل الآخر مزيداً من النٌقاط ؟!!!
عندما أفكر في الأمر ... تخطر ببالي قضية : من أتى أولاً ____ البيضه .. أم الدجاجة ؟؟!!
دمتم بخير وسلام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق