نقر خفيف على زجاج نافذتي ، انتشلني من أكوام الأوراق والكتب المكدّ سة فوق المكتب .
كانت حمامة تنقر بلطف على الزجاج ، تستأذن برقة للدخول !!!!
أحضرت لها شيئاَ من الماء وبعض فتات الخبز في طبق بلاستيكي وضعته أمامها . عُدت إلى مكاني السابق ، أخذ ت أرقبها من بعيد خشية إزعاجها . أيقظت ذكريات جميلة بعضها مُفرح وجلّها حزين .....
في الطفولة ، أنشأ أخي " صندوق الحمام " . ساهمنا جميعاً ( إخوتي وأنا ) طواعية في تمويل الصندوق وأكملت الوالدة ( يرحمها الله ) الباقي لنتمكن من شراء زوج حمام . بعد شهور ، حلّ اليوم الموعود بوصول أول زوج . وُضع القفص في المنتصف . تحلقنا حوله ، نُحدثه ، نُطعمه ونُغـني له . أخيراَ ساهم الوالد ببناء برج للحمام في سطوح المنزل . كان البرج المُنتزه وحائط المبكى ، لكلٍ منا حكاية يرويها للحمام . هديله وسجعه كان رداً جميلاً فيه الكثير من التعاطف والشجن ... كأطفال لم يكن ذاك المعنى بهذا الوضوح ، لكنه حمل نفس الإحساس .
وللحمام مواقف مُشرٍّفه في التاريخ الإنساني . منها الحمامة التي اشتركت مع عنكبوت في إخفاء خير الأنام – صلى الله عليه وسلم – وصاحبه من ترصد مُشركي قريش . وهناك الحمامة التي استدل بها سيدنا نوح - عليه السلام – على إمكانية مغادرة السفينة بعد الطوفان واستئناف الحياة من جديد على الأرض .
مرة أخرى يلعب الثنائي الشهير – الحمامة والعنكبوت – دوراً هاماً في الحضارة الإنسانية ، إذ كان الطائر النبيل ساعي البريد في الحرب كما في السلم ؛ أسرع وأرشق وأجمل وسيلة اتصال في العالم . أحدث إكتشافه ثورة تُعادل ثورة الإتصال عبر الشبكة العنكبوتية حالياً .
وتتعدد صور الحمام في الأدب الإنساني . ورد في مقامات الحريري، أن إبراهيم بن سيّار كان يُعجب بالحمام وقال فيها " إن الله جمع فيها حُسن المنظر و كريم المخبر ، تكفيك مؤنتها وتكثر معونتها . فهي للطارق عِدة وللمستوطن لذّة ؛ تُطعم في الصحراء ، وتعود عليك بالسرّاء ويأنس الوحيد بحركاتها ...
وذذكر شكسبير الحمام في مسرحيتي : " كما تحب " وكذلك " روميو وجولييت " . ويشير جيمس هارتنغ، في كتاب (طيور شكسبير) إلي العلاقة بين حمام شكسبير وحمام النبي محمد (ص) حيث عُرف عن الرسول انه كان يطعم حمامة وهي تقف علي كتفه.
وسوف يلازم الحمام كل قصائد الشوق والحنين وكذلك دعوات السلام والرحمة ونبذ الحروب والعنف مادام يخفق بجناحيه في السماء ويتغلغل هديله في الجِنان والواحات .
و محبو و هواة اقتناء الحمام على استعداد للسفر إلى أطراف العالم ودفع مبالغ طائلة للحصول على الأنواع النادرة منه . ذكرت إحدى الصحف البريطانية الرصينه أن حمامة سباق قد بيعت بما يزيد عن مئة ألف جنيه استرليني !!! . وسباقات الحمام – لرواد هذا النوع – لا تقل أهمية وإثارة عن سباقات الخيل والفورمولا بجميع فئآته أو مباريات كرة القدم ! .
وللذواقة وهواة المحمّر والمشمّر وما لذّ وطاب ، شأن لا ينقضي مع الحمام مهما طال الزمن ويعتبره البعض زينة الموائد. ولعل أشهرها " الحمام بالفريك" ... من باب الفضول أردت أن أجرب أكل الحمام ، وبعد الامساك بالشوكة والسكين ( زي الناس المحترمه ) والنظر للطبق من عدة زوايا ووضع عدة استراتيجيات للهجوم ، وجدت ان أفضل طريقه هي استعمال اليدين . فشمرت الأكمام استعداداً للمعمعه وهجمت على الحمامة المسكينة المسجاة في الطبق ... ولخيبة الأمل ( اللي راكبة جمل ) لم أجد مندوحة من مص العظام بعد البحث المضني عن اللحم الذي لايوجد منه إلا أقل القليل .
!! **نصيحة إذا كنت من فئة ( الناس الأكيلة ) أن تطلب على الأقل نصف دزينة من الحمام حتى لا تنضم معدتك إلى ثوار " الربيع العربي ؟
أما محبوا الطيور والمنافحون عن الحياة الطبيعية البرية كجماعة " الخُضُر " ، فلم يكفوا عن انتقاد ومهاجمة أعمدة وأسلاك الكهرباء والتلفون وأبراج الهاتف الخليوي وكذا محطات الطاقة لتسببها في إحداث خلل في المجالات المغناطيسيه الطبيعية التي تُساعد ذوات الأجنحة والمخلوقات البحرية في معرفة الاتجاهات وبالتالي إرباك بوصلتها البيولوجية مما أدى لفقدان الطيور وجهتها في رحلتي الشتاء والصيف والتسبب فيما يُعتقد أنه انتحار جماعي للحيتان والدلافين .
في اليابان ، أثبت أحد العلماء أن الحمام يستطيع التعرف على الصور المركّبة حين قام بعرض ثمانية لوحات على مجموعة من الحمام وقال أن الحمام تعرف على لوحات فان جوخ وشاجال . ويعتقد أن بحثه يُمكن أن يُستخدم في تطوير طرق لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الذاكرة البصرية وفي تدريب الجواسيس . وذكرت صحيفة الصنداي تايمز أن مجموعة من الحمام حصلت على نفس الدرجة التي حصل عليها مجموعة من البشر أُجريت عليهم نفس التجربة . !!!
ويرتبط الحمام دوماَ بالسلام وغصن الزيتون ....... وككل الأحلام الضائعة ، ذُبُح الحمام ودُهس غصن الزيتون .
فيما مضى ، كانت أسراب الحمام تنتشر وتتجول بحريّة في سماواتنا العربية المفتوحة مُذكرةَ على الدوام بالأهل والأحبة في كل مكان .
الآن قل ظهورها كثيراً .... لعله احتجاج صامت على تهميش دورها الذي اقتصر على الوجود الرمزي كتذكار من الماضي الجميــــــل ؟؟؟!!!!
كونوا دوماً بخير وسلام
رمز فلمبـــان
>











