انقراض .. البيئة ... جماعة الخضر ... كلمات تتردد كثيراً في
معرض الحديث عن كوكبنا الذي يشبهه البعض بـ " الرجل
المريض " ويتنبأون بأن يحدث له ما حصل للدولة العثمانية .
كُتب الكثير عن الغابات المطيرة التي تُسمى بـ " رئة العالم "
المهددة بالتلوث ، ثقب الأوزون ، إهدار الموارد الطبيعية .
.. الخ . لا يختلف الحال كثيراً عن رئة الانسان المهددة بسبب
التدخين وتلوث الأجواء .
تُنظم بعض الدول رحلات سفاري للمهتمين بالبيئة . لا يُقصد بـ "
السفاري " هنا صيد الحيوانات كما يفعل بعض الأثرياء الذين
يتسلون بمطاردة الحيوانات وقتلها ثم الاحتفاظ بجلدها / فروها أو
حتى رأسها في منازلهم الفخمة كتذكار لبطولاتهم ضد مخلوقات
لاحول لها ولا طول . المقصود بالسفاري هنا هو مشاهدتها عن
قرب في بيئتها الطبيعية حيث تعيش حرة طليقة ويذهب البشر
إليها في صناديق معدنية متحركة على عجلات . تبادل أدوار
وسبحان مُغير الأحوال .
أثناء زيارة لجنوب أفريقيا استمتعت برحلة من هذا النوع . بداية تم
تعريفنا على طاقم حراس الغابة المرافقين لنا ؛ العاج ولأبنوس
يعملان معاً جنباَ إلى جنب كرمز جميل لسقوط الأبارتيد ( نظام
الفصل العنصري ) . استلم الأفريقي الدفة لإدارة أرضه
وخيراتها . خرج المُستعمر من الباب الخلفي - ليغرق الأفريقي في
دوامة تركة ثقيلة ( جهل ، أمراض ، فقر ...الخ )خلفها الاستعمار
وراءه – ليعود من الباب الأمامي في شكل آخر وحُلة أخرى
ويُستقبل بالأهازيج والزهور ؟!
بإسهاب شرح الحراس خطة السير ونوعية الأسلحة والذخائر
المسموح باستخدامها . معظم الرصاصات لا تحتوي على بارود ،
وإنما مواد مُخدرة لا تُسبب للحيوانات أذى يُذكر ، يُسمح
باستخدامها فقط في حالة الدفاع عن النفس عند التعرض للخطر.
يا بخت الحيوانات ويا تعس الانسان الذي لا تٌساوي حياته ثمن
الرصاصة التي أردته .
كُنت أعتقد أننا سنتوجه إلى أحد الأدغال الكثيفة الأشجار التي تعج
بالضواري والمفاجآت من كل نوع وحجم . عوضاً عن ذلك
سرنا في سهول حرجية قليلة الأشجار . لساعة كاملة ، عانيت من
خيبة الأمل وإجهاد عيني حتى بالنظارات المكبرة بدون أثر لغابة
أو حيوان ولا حتى أرنب !
بالتدريج أصبحت الأرض قليلة الاستواء، كثيرة المطبات ( ذكرتني
ببعض الشوارع في مدينتي ). ازدادت كثافة الأشجار وارتفاع
الأعشاب وأخذت قطعان الظباء ، الحمر الوحشية ، الزرافات
وجماعات الضباع ، ثعالب ، ذئاب و أسود تتوالى أمامنا . دُهشت
لرؤية الحيوانات تعيش جنباً إلى جنب في وئام تام ؛ الكبيرة الحجم
كالأفيال إلى جانب الصغيرة كالقوارض وآكلات اللحوم تتمشى
بلا مبالاة أو ممدة بكسل بجوار آكلات النبات ( الحيوانات
المفترسة لا تأكل إلا عند الجوع ) . تعجبت لرؤية حيوانات الغابة
غاية في النظافة ، إذ تحرص على العناية بنفسها باستمرار . هذا
شأن الطبيعة كما خلقها الله .. تُوازن وتجدد نفسها لو تُركت لشأنها
بدون تدخل ابن آدم .
توقفنا قرب بحيرة صغيرة لمشاهدة أنواع الطيور التي تعيش فيها
ويشاركها المسكن حيوان السيد قشطة . أحياناً تأتي الضواري
لاقتناص طرائدها من مرتادي البحيرة لشرب الماء
. أختبأنا في أماكن مخصصة ومموهة جيداً بحيث نستطيع رؤية
الحيوانات والطيور بدون أن نزعجها بوجودنا . في البداية
ضايقتني فكرة الاختباء . ثم أحسست بالخجل لكوننا الدخلاء وليس
العكس . شعرت بالاعجاب لاحترام حق جميع المخلوقات في
الحياة .
العكس . شعرت بالاعجاب لاحترام حق جميع المخلوقات في
الحياة .
من أطرف ما رأيت ، صغير وحيد القرن يمشي خلف زرافة كبيرة
ويتبعها حيثما اتجهت معتقداً أنها أمه ( وحيد القرن ضعيف البصر
جداً لكنه يتمتع بحاسة شم قوية ، لا يلجأ إليها إلا عند إحساسه
بالخطر) لم يدرك المسكين خطأه – رغم محاولة صغير الزرافة
ابعاده عن أمه – إلا عند اقتراب أمه منه وافهامه الفرق بوخزه
خفيفه من قرنها . حينها ترك الزرافة الأم لصغيرها ولحق بأمه .
فيما بعد ، قمنا بزيارة مزرعة لتربية الزوحف . مجموعات من
التماسيح في أحواض كبيرة مستديرة ، تتوسطها برك صغيرة
ومحاطة بأسوار عالية يبلغ ارتفاعها ما يزيد على المترين . يحيط
بالأحواض أماكن لجلوس المتفرجين . بدأ العرض بإطعام
الزواحف العملاقة .. كان المنظر دموياً رهيباً . طقطقت
الكاميرات واستمتع البعض بمشاهدة تلك الوحوش تتدافع لالتقاط
قطع اللحم ، تمزقها بأسنان كالمناشير قبل التهامها . بعد أن
شبعت وثقل جسمها قام أحد المدربين بأداء عرض معها . أخذ
يتحرك بخفة وثقة بينها ، بل ووضع رأسه بين فكي أحدها بينما
كان حارسان يقفان على جانبي الحوض على استعداد لإطلاق
الرصاص في حال هجوم أحد التماسيح على المدرب . ....
لم أستطع المتابعة .. تركت المكان ورحت أتجول في الجوار
. جلست تحت شجرة ضخمة على منحدر يُطل على واد كثيف
الشجر ، شديد الخضرة ... شلال ماء يفور من بين الصخور تحت
قدمي ... قامات أبنوسية تُسرع الخطى باتجاه القرى المتناثرة في
الوادي .... أصوات الغابة تنبعث من مختلف الجهات متناغمة مع
الرسائل التي تبثها الطبول كموسيقى تصويرية رائعة ...
أأأه ، الفاتنة السمراء التي تغنى بها الفيتوري ، سنغور... وحارب
من أجلها مانديلا وغيره ..
في الأعالي ، كرة اللهب تهبط بتؤدة لتتوارى خلف الجبال ، هاربة
من جحافل الظلام ... مخلفة وراءها خيوطاً حمراء توشي سماءأ
رمادية تزداد قتامةً شيئاً فشيئاً ...
.... أخيراً ازدانت السماء بملايين القناديل معلنة انتصار الليل .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق